الرئيسية / الخطب والمحاضرات/ الخطب /البيان لما يتعلق بنصف شعبان _خطبة الجمعة_ 11 شعبان 1447هـ
البيان لما يتعلق بنصف شعبان _خطبة الجمعة_ 11 شعبان 1447هـ 2026-01-31 08:00:57


خطبة جمعة بعنوان البيان لما يتعلق بنصف شعبان 


لشيخنا المبارك أبي بكر الحمادي حفظه الله ورعاه 


سجلت بتاريخ ١١ شعبان ١٤٤٧ه‍ 


إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1 ]


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].


أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.


يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ}[الحشر:7].

فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نأخذ بما جاءنا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وأن ننتهي عما نهانا عنه، وقال سبحانه وتعالى:{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}[الأحزاب:21].

فحثنا ربنا سبحانه وتعالى على إتباع هدي نبيه عليه الصلاة والسلام، وفي حديث العرباض بن سارية، قال عليه الصلاة والسلام: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور". فحثنا نبينا عليه الصلاة والسلام على سنته وعلى سنة الخلفاء الراشدين المهديين، أن نتمسك بذلك وأن نبتعد عن محدثات الأمور، فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

ونحن في هذا الشهر، في شهر شعبان بين يدي رمضان، وهذا الشهر كان نبينا عليه الصلاة والسلام يهتم فيه بصيامه أو بصيام أكثره، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت يصوم في شهر من الشهور ما يصوم في شعبان" كما جاء ذلك في الصحيحين عنها، وفي مسلم أنها قالت: "كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً". وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن سبب اهتمامه بشهر شعبان كما جاء في المسند وعند النسائي من حديث أسامة رضي الله عنه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وشهر ترفع فيه الأعمال الصالحة فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". فهذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام في شهر شعبان.


وقد أحدث الناس في هذا الشهر ما ليس من هديه عليه الصلاة والسلام، ولا من هدي الخلفاء الراشدين المهديين، من ذلك ما أحدثه الناس في نصفه فيما يسمى بالشعبانية، والشعبانية ليس لها مستند في كتاب الله عز وجل، وليس لها مستند في صحيح سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا مما أحدثه الناس، فليس هنالك شعبانية مذكورة في كتاب الله ولا مذكورة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة، ولم يكن ذلك أيضاً من هدي الخلفاء الراشدين، لم يثبت من ذلك شيء، فلم يأتِ عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث على صيام النصف من شعبان وهو الذي يسميه كثير من الناس بالشعبانية، بل هذا من محدثات الأمور، وهو داخل في قوله عليه الصلاة والسلام: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".


أما هدي النبي عليه الصلاة والسلام في شعبان، فكان عليه الصلاة والسلام يصوم شعبان كله، يصوم شعبان إلا قليلاً، ولم يكن يخص ليلة، لم يكن يخص يوماً من شعبان كالنصف بالصيام دون غيره، ليس هذا من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يثبت هذا عن أحد من صحابة رسول الله رضي الله عنهم أجمعين، وإنما جاءت في ذلك أحاديث مكذوبة على رسول الله عليه الصلاة والسلام بينها العلماء وبينوا ما فيها من الكذب والافتراء على رسول الله عليه الصلاة والسلام.


وهكذا لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ليلة النصف من شعبان أنه صلى صلاة الرغائب ولا صلاة الألفية، فهذا مما أحدثه كثير من جهال الناس، يصلون في ليلة النصف من شعبان صلاة يسمونها صلاة الألفية، وسميت بذلك لأنها عبارة عن مئة ركعة يقرؤون في كل ركعة بسورة الفاتحة وسورة الإخلاص عشر مرات، فالمجموع مجموع ذلك ألف، فقالوا صلاة الألفية، مئة ركعة تصلى في ليلة لم يكن هذا من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا في هذه الليلة ولا في غيرها، بل لم يفعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حتى في العشر الأواخر من رمضان، جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "لم يزد النبي عليه الصلاة والسلام على إحدى عشرة ركعة، لا في رمضان ولا في غيره". فهذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ما زاد على إحدى عشرة ركعة وهؤلاء يصلون مئة ركعة، مئة ركعة وهذا من الغلو في دين الله عز وجل، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: "وإياكم والغلو". وقال الله عز وجل:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}فالغلو مذموم في دين الله عز وجل، والواجب على العبد أن يهتدي بهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام وأن يستن بسنته، صلاة الألفية صلاة محدثة، ليس لها مستند في كتاب الله ولا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام ولا في هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.


وهكذا صلاة الرغائب في ليلة النصف من شعبان أيضاً صلاة محدثة، وهي عبارة عن اثنتي عشرة ركعة لا أصل لذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة الكرام، وإنما هي صلاة أحدثها كثير من الجاهلين، فهذه العبادات التي يفعلها بعض الناس في النصف من شعبان من قيام أو من صيام ليس لذلك مستند صحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.


وكثير من الناس يحرص على صيام النصف من شعبان ويهتم بذلك اهتماماً بالغاً مع تفريطه في الصيام المستحب، بل ربما يفرط في الواجبات، وإذا جاء النصف قال الشعبانية، وكل هذا من كيد الشيطان بالجاهلين، فإن الشيطان يرغب للناس الباطل، يرغب للناس المحدثات ويبعد الناس عن السنن بل وعن الواجبات، فمن كان عنده همة في الخير فباب الخير واسع، باب الخير واسع وهدي النبي عليه الصلاة والسلام في صيامه وفي قيامه فيه الغنى وفيه الكفاية، من كان عنده نشاط في الخير فعليه بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا أحد أفضل من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولن يأتي أحد بسنة خير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.


وفي قصة الثلاثة النفر الذين استقلوا عبادة رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أنس، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث : أما أنا فلا أتزوج النساء، فلما بلغ الخبر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أنكر عليهم ذلك وقال: "أما أنا فأقوم الليل وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". تبرأ النبي عليه الصلاة والسلام فيمن يرغب عن سنته عليه الصلاة والسلام ويريد غيرها، ليس هنالك هدي أفضل من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعليكم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام ففيها الخير وفيها البركة، واهتدوا بهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام فإن الله أمركم بذلك:{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، فالأسوة الحسنة إنما هي برسول الله عليه الصلاة والسلام: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}. وابتعدوا عن المحدثات وعن البدع فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار كما أخبرنا بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا برحمته، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية:


الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد معاشر المسلمين: لقد زين الشيطان في قلوب كثير من الجاهلين الشعبانية وليلة النصف من شعبان، زينها في قلوبهم ودعاهم إلى الغلو في تلك الليلة وفي يومها، حتى أن كثيراً من الجاهلين سموا تلك الليلة بأسماء فيها ما فيها من الغلو الذي قذفه الشيطان في قلوبهم، فمنهم من سمى تلك الليلة بالليلة المباركة وبليلة البركة ويحتجون بقوله سبحانه وتعالى {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}، قالوا المراد بذلك ليلة النصف من شعبان وقد أخطأوا في ذلك خطأً بيناً، فإن الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن إنما هي ليلة القدر، {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} يعني القرآن أنزله الله في ليلة مباركة، والله أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان، قال سبحانه وتعالى{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)} وقال سبحانه وتعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}لم ينزل الله عز وجل القرآن في شهر شعبان ولا في النصف منه، وإنما أنزله الله سبحانه وتعالى في ليلة القدر في شهر رمضان، فهؤلاء الجهال قالوا ليلة النصف من شعبان هي الليلة المباركة المذكورة في كتاب الله عز وجل وهي ليلة البركة،

ومنهم من يقول : هي ليلة القسمة والتقدير، يعنون بذلك أنها ليلة القدر، وليلة القدر إنما هي في شهر رمضان في العشر الأواخر منه وليست في شهر شعبان، ومنهم من يقول ليلة النصف من شعبان هي ليلة الحياة، ومنهم من يقول ليلة الصك، ليلة الصك يزعمون أن الله سبحانه وتعالى يعطي ملك الموت في تلك الليلة صكاك الموتى، الصكاك التي مكتوب فيها موت فلان وموت فلان وموت فلان، ولهذا يقول كثير من الجهول لا يموت أحد بين المغرب والعشاء في ليلة النصف من شعبان لأن ملك الموت قد انشغل بأخذ الصكاك من رب العالمين سبحانه وتعالى، ولهذا يسمونها أيضاً ليلة الحياة، أي لا يموت أحد فيها بين مغرب وعشاء وكل هذا من الافتراء على رب العالمين سبحانه، من الافتراء على الله ومن القول على الله بغير علم، فمن أين جاء هذا الأمر الذي لا أصل له في كتاب الله عز وجل ولا أصل له في السنة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وإنما جاءت أكاذيب راجت في أوساط كثير من الجاهلين، فغلوا بهذه الليلة وأكثروا من أسمائها ونوعوا في أسمائها ويقولون ليلة البركة، ويقولون ليلة الرحمة، ويقولون ليلة الشفاعة، ويقولون ليلة التكفير ويقولون أيضاً غير ذلك من المسميات، ومنهم من يقول هي ليلة عيد الملائكة، وكل هذا من الأكاذيب والله سبحانه وتعالى يقول:{وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)} لا يجوز لأحد أن يتكلم في دين الله عز وجل بغير علم وأن يفتري الكذب على رب العالمين سبحانه أو على رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.


ومن الناس من يتخذ يوم النصف من شعبان يوم عيد، هنالك من يصوم وهنالك من يتخذ ذلك يوم عيد ويصنعون الأطعمة المختلفة ويحتفلون بذلك وكل هذا من محدثات الأمور، ليس عندنا يوم عيد في الأسبوع إلا الجمعة، وفي العام غير عيد الأضحى وعيد الفطر، وعند أبي داود من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة وجدهم يلعبون في يومين، فقال ما هذان قالوا يومان نلعب فيهما في الجاهلية، قال عليه الصلاة والسلام إن الله أبدلكما بهما خيراً منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر. وما سوى ذلك من الأعياد فإنها من محدثات الأمور.


وهكذا الجهل يرمي بأهله في أودية الباطل والخرافة ويزين الشيطان مثل هذه الأمور ويجعل كثيراً من الجاهلين يغلون في هذه الليلة حتى يتلهوا فيها بالبدع والمحدثات التي هي من أبغض الأشياء إلى الله عز وجل وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر في مسلم في كل خطبه أو في جلها فكان يقول :أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، هي شر الأمور وهي أكره الأمور إلى الله عز وجل بعد الإشراك به والكفر به، ومن أكره الأمور أيضاً عند رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد الكفر بالله والإشراك به، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يبالغ في التحذير منها في كل خطبه أو في جلها.


فعليكم عليكم بالسنة فإن الخير كل الخير في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والهداية كل الهداية في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.


أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يرحمنا برحمته وأن يهدينا إلى الصراط المستقيم وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، وأولها وآخرها، وعلانيتها وسرها، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم يسر على المعسرين، واقضِ الدين عن المدينين، وعافِ مبتلى المسلمين واشفِ مرضاهم وارحم موتاهم، إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.


فرغها أبو عبد الله زياد المليكي حفظه الله


جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للشيخ أبي بكر الحمادي