تحفة المتقين على قوله تعالى: والمتصدقين _خطبة_ 10 رمضان 1447هـ 2026-02-28 01:57:40
خطبة جمعة مفرغة بعنوان:(تحفة المتقين على قوله تعالى: والمتصدقين)
لشيخنا الفاضل أبي بكر الحمادي حفظه الله.
سجلت بتاريخ ١٠ / رمضان/ ١٤٤٧ هجرية.
إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1 ]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].
أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)}[الأحزاب:35].
فقال سبحانه وتعالى في هذه الآية: والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، فقرن سبحانه وتعالى بين الصدقة وبين الصيام، فهذا الشهر الذي نحن فيه وهو شهر رمضان هو شهر الصدقات كما أنه شهر الصيام، وشهر القيام، وهكذا شهر قراءة القرآن وشهر الذكر والعمل الصالح.
فهذا الشهر شهر الصدقات
والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات، والصدقة تنقسم إلى قسمين: صدقة فرض وصدقة تطوع، وكل هذا من الخير ومن العمل الصالح والفرض أعظم من التطوع.
وصدقات التطوع بابها واسع جداً، ومن ذلك إفطار الصائم، جاء عند الإمام أحمد، وعند الترمذي، وابن ماج، من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ».
فهذه فضيلة وهذا عمل صالح، وهذه صدقة من الصدقات التي رغب فيها نبينا عليه الصلاة والسلام، فالذي يتصدق على صائم بالإفطار فإن له من الأجر مثل أجر ذلك الصائم ولا ينقص من أجر الصائم شيء كما بين ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام.
وهل المقصود من ذلك أن يفطره بالشيء اليسير من الطعام كالتمر ونحوه أو المقصود بذلك أن يطعمه طعاماً يتقوى به على صيامه؟ محل نزاع بين العلماء والأظهر أنه يطعمه طعاماً يتقوى به على صيامه، فإن من أعان طائعاً على عمله الصالح كان شريكاً له، ومن أعان صائماً على صيامه كان شريكاً له في الأجر، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام بن تيمية رحمة الله عليه في معنى هذا الحديث، فهذه صدقة من الصدقات المرغب فيها والتي حث عليها نبينا عليه الصلاة والسلام.
وأعظم من ذلك صدقة الفرض، صدقة الفرض فإنها واجبة متعينة في حق من ملك نصاباً من مال زكوي وحال عليه الحول فإن ربنا سبحانه وتعالى ذم وتوعد من لم يؤد الصدقة التي افترضها الله سبحانه وتعالى عليه، وكنز ماله وادخره ولم يؤدي ما افترضه الله عليه، قال سبحانه وتعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)}[التوبة:34،35]
توعدهم الله عز وجل بالكي والعياذ بالله بالعذاب الأليم، في مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام «بُشِّرِ الْكَانزين بِكِيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ وَبِكِيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقفَائِهِمْ يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ» عذاب أليم وهذا العذاب الأليم يكون يوم القيامة قبل أن يرى العبد سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار عذاب في أرض المحشر.
جاء في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «وَمَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَيُكوَّى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرُدَتْ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
فهذا العذاب في أرض المحشر قبل أن يرى سبيله، وقد يكون سبيله بعد ذلك إما إلى الجنة وإما إلى النار، تصفح له صفائح من نار تحمى هذه الصفائح في نار جهنم العياذ بالله، ثم بعد ذلك يكوى بها وإذا بردت تلك الصفائح أعيدت مرة أخرى إلى نار جهنم، وتحمى في نار جهنم ويبقى معذباً في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لو كان هذا العذاب في يوم من أيام الدنيا لكان عذاباً عظيما فكيف وهو في يومٍ ومقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة، فهو عذابٌ شديد، وعذابٌ أليم، فليتقِ العبد ربه، ولا يبخل بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، وليؤدي الزكاة التي افترضها الله سبحانه وتعالى عليه، ولا يكن جموعًا منوعًا، {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6)
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (9)}[الهمزة:1،9]
قال:{كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ (18)}[المعارج:15،18].
أي جمع المال وجعلوه في الأوعية أي كنزهوا، ولم يؤدِّ مافترض الله سبحانه وتعالى عليه، ومن ذلك الزكاة التي افترضها الله سبحانه وتعالى على الأموال، فهي فريضة المال، وهكذا يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ}[آل عمران:180].
جاء تفسير ذلك في ما رواه البخاري في صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَن آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ له مَالُهُ يَومَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أقْرَعَ له زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَومَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يقولُ أنَا مَالُكَ أنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: {لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بِخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
وعند ابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم، والطبماني، والبزار من حيث ثوبان قال عليه الصلاة وسلم:" فلا يزال يتبع حتى يلقمه يده فيمضغها ثم يتبعه سائر جسده، أي ذلك الثعبان الذي قد اشد سمه وتساقط شعره بسبب كثرة سمه فإنه يتبع ذلك الشخص ويقول: أنا مالك، أنا كنزك، فيمد إليه يده فيقضم يده ويمضغ يده ثم يتبعه سائر جسده، عذابٌ شديد في أرض المحشر في حق من لم يؤدِّي الزكاة الواجبة التي افترضها الله سبحانه وتعالى عليه.
فيا عباد الله: اتقوا الله سبحانه وتعالى، فمن كان عنده مال قد بلغ النصاب، وحال عليه الحول، فليبادر بأداء الزكاة ويصرف الزكاة في مستحقيها، هذا واجب من الواجبات الشرعية المتحتمة، مع ما في ذلك من طهارة المال، وزكاة المال، وطهارة العبد من الذنوب والمعاصي، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}[التوبة :103]. ففيها زكاة لك وتطهير لك، وتطهير لمالك، وفيه نماء أيضاً لمالك، فالزكاة بركة لك في مالك، والزكاة مطهرة لك من ذنوبك ومعاصيك، وهي قبل ذلك فريضة افترضها الله سبحانه وتعالى على من ملك مالاً وبلغ ذلك المال النصاب.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد اعلموا معاشر المسلمين أن الزكاة التي افترضها رب العالمين سبحانه وتعالى هي مفروضة في أموال معينة، فمفروضة في الإبل، وأول نصاب في الإبل خمسة من الإبل، وفي ذلك شاة، وفي ثلاثين من البقر، فهذا أول نصاب البقر، وفي ذلك تبيع أو تبيعة، وفي أربعين من الغنم، فهذه أول الفريضة، وفي ذلك شاة، وهكذا في الزروع والثمار إذا بلغت خمسة أوسق، في ذلك العشر إذا كان يُسقى بغير كلفة أو نصف العشر إذا كان يُسقى بكلفة، وهكذا تجب الزكاة في النقدين في الذهب والفضة وما أُلحق بهما من هذه العملات الموجودة في هذه الأزمان، ونصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً، وفي ذلك ربع العشر، ومعرفة ذلك أن يقسم الإنسان ما معه على أربعين، فما نتجت به القسمة فهي الزكاة المفروضة، ونصاب الفضة بالجرامات الموجودة في هذه الأزمان خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً وفي ذلك أيضاً ربع العشر، ومعرفة ذلك ما سبق أن تقسم ما معك على أربعين، وما نتج فهي الزكاة الواجبة المفروضة عليك، وهكذا هذه الأموال الموجودة في هذه الأزمان وهذه العمولات هي ملحقة بالنقدين، فإذا بلغ معك مال بمقدار خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً من الفضة، فالواجب عليك ربع العشر، أي اقسم ما معك من المال على أربعين، وما نتج فهي الزكاة المفروضة عليك، وهكذا عروض التجارة هي ملحقة بالذهب والفضة، فإذا كانت عندك تجارة قد حال عليها الحول فانظر قيمة ما معك من التجارة، واقسم ذلك ما معك على أربعين، وما نتج فهي الزكاة المفروضة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليك، وهكذا في حُلي المرأة فالحُلي فيه زكاة، سواء كان الحُلي من قبيل الذهب أو من قبيل الفضة، وقد جاء في المسند، وعند أبي داود، النسائي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن امرأةً جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال النبي عليه الصلاة والسلام أتؤدين زكاة هذا؟ قالت لا، قال أتحبين أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ فخلعتهما وألقتهما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقالت هما لله ولرسوله، وهكذا جاء عند أبي داود من حديث عائشة، أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى في يديها فتخات من ورق أي من فضة فقال أتؤدين زكاة هذا؟ قالت لا أو ما شاء الله، قال هو حسبك من النار أي إذا لم تؤدي الزكاة التي افترضها الله سبحانه وتعالى عليك، والذهب يؤدَّى من الذهب أو من هذه العملات الورقية، والفضة إما من الفضة أو من هذه العملات الورقية، وينبغي أن يقوم الذهب في كل عامٍ في وقت إخراج الزكاة، فإنه هنالك من النساء من تسأل عن ما يجب عليها من زكاة ذهبها ؟ فيقال : لها الواجب عليك كذا وكذا، ثم تستمر على إخراج ذلك المال في كل سنة مع أن الذهب يزيد ويزيد في كل عامٍ وهي باقية على ذلك المال الذي قد قُدِّر لها قبل عشر سنين أو قبل خمسة عشر سنة أو نحو ذلك وهذا مما لا يُجزِئ، لا بد من معرفة مقدار الزكاة ومقدار وقيمة الذهب عند حلول الحول في كل عامٍ، فإن الذهب تتفاوت قيمته.
واعلموا معاشر المسلمين: أن الزكاة التي افترضها الله سبحانه وتعالى تؤدَّ في المصارف التي بيِّنها الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة،{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}[التوبة:60].
فهذه هي الفريضة تؤد إلى هؤلاء كما أمر الله سبحانه وتعالى بذلك، وقد روى الإمام أحمد كما في مسائل ابنه صالح، قال سفيان يعني الثوري: بلغنا عن أهل العلم أي في الزكاة قال لا يحابا بها القريب، ولا يُمنع منها البعيد، ولا يدفع الإنسان عن نفسه مذمة، ولا يقل إنسان بها ما له، هكذا قال أهل العلم، فإنها فريضة افترضها الله سبحانه وتعالى عليك، وأنت مستأمن عليها، تؤديها في من أمرك الله أن تؤديها إليه، لا تحابي قريباً إن كان عندك قريب فقير وهنالك من هو أفقر منه من غير أقربائك لا تحابي القريب وقدم من قدمه الله ورسوله وأخر من أخره الله ورسوله فإنها أمانة، أمانة شرعية ليست على حسب ما تشتهي وتريد لا تحابي القريب إذا وجد من هو أفقر منه فقدم من قدمه الله ورسوله، وأخر من أخره الله ورسوله قال لا يحاب بها قريب، ولا يمنع منها بعيد إذا كان هو المستحق لها ولا يدفع الإنسان عن نفسه مذمة لأنها عباد لله عز وجل، لا تعطي الزكاة من أجل أن تدفع عن نفسك المذمة حتى لا يقال لا يعطي وفلان بخيل فتريد أن تكفل ألسنة الناس عنك فتعطي من يتكلم فيك لا تفعل هذه هذه فريضة أدها إلى من يستحقها من أجل الله عز وجل، لا من أجل نفسك، لا من أجل أن تدفع مذمة عن نفسك، وإنما تقرب بها إلى ربك سبحانه وتعالى، وهكذا قالوا لا يقي إنسان بها ماله كأن يكون الشخص قد اعتاد على النفقة على بعض أرحامه، أو على بعض الفقراء والمساكين، فإذا جاءت الزكاة قال أعطيهم من الزكاة، ولا أعطيهم من مالي، يريد أن يقي ماله بالزكاة وهو ينفق في طوال السنة على رحمه، أو على بعض أقربائه، أو على مسكين فإذا جاءت الزكاة يريد أن يقي ماله ويعطيهم من الزكاة حتى يقي ماله ولا يعطيهم ما اعتاد عليه قبل ذلك فلا يفعل هذا، لا يقي ماله بالزكاة، فالواجب أن تراعى فيها أحكام الشريعة، لا محابات، ولا يقي الإنسان عن نفسه مذمة، ولا يقي ما له بها، وإنما يفعل ما أمره الله بها ويؤديها إلى من يستحقها.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها وأولها وآخرها، وعلانيتها وسرها، اللهم أهدنا إلى الصلاة المستقيم، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم أعنا على صيام ما بقي من هذا الشهر وقيامه ووفقنا لطاعتك ولما تحب ولما ترضى، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.
أبو عبد الله زياد المليكي