الرئيسية / الخطب والمحاضرات/ الخطب /الإنزجار عن جريمة الانتحار 18 ربيع الآخر 1447هـ
الإنزجار عن جريمة الانتحار 18 ربيع الآخر 1447هـ 2025-10-10 18:23:18


خطبة جمعة بعنوان الإنزجار عن جريمة الانتحار 


لشيخنا المبارك أبي بكر الحمادي حفظه الله ورعاه 


سجلت بتاريخ ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٧ه‍

مسجد الفاروق إب اليمن حفظها الله وسائر بلاد المسلمين 


إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1 ]


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].


أما بعد :  فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.


يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)}[النساء:29،30].

 هذا الوعيد الشديد من رب العالمين سبحانه وتعالى فيمن قتل نفسه، ويدخل في ذلك من باشر قتل نفسه ومن قتل غيره، فإن المؤمنين كالنفس الواحدة،والمؤمن للمؤمن كالبنيان، فعلى كل من باشر قتل نفسه هو داخل في هذا الوعيد، فلا يجوز للمسلم أن ينتهك هذه الحرمة، ونفسه أمانة عنده أمنه ربه سبحانه وتعالى عليها، فليس للعبد أن يتصرف في بدنه بغير إذن الله عز وجل، وإذن الله مأخوذ من كتابه، ومأخوذ من سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، وقد انتشر في هذه الأيام وفي هذه الأعصار هذه الجريمة الشنيعة من كثير من الجاهلين، فكم نسمع وتبلغ الأخبار من هنا وهناك أن فلانا قتل نفسه إما بالرصاص، وإما قتل نفسه شنقاً، وإما رمى نفسه رمياً، وإما تحسى سماً، أو غير ذلك من الأسباب المتعددة والمؤدى واحد وهو قتل النفس، وهو أن باشر الشخص قتل نفسه، وكل ذلك من الكبائر الموبقة، ومن الجهل العظيم.

ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصله نارا وكان ذلك على الله يسيرا، في الصحيحين من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة".

فيبقى العبد معذباً في ذلك الشيء الذي قتل نفسه خالداً في نار جهنم مخلداً أبدا، وهو يعذب بذلك الشيء الذي قتل به نفسه، وهو يريد بهذا الفعل أن يستريح وأنى له أن يستريح، الذي يقتل نفسه ويريد الراحة من متاعب الدنيا ومن شدائدها ولكنه ما سلك مسلكاً صحيحاً في طلبها وأهلك نفسه ونقل نفسه إلى العذاب الأليم وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.

وعيد شديد وتخويف بالغ من رسول الله عليه الصلاة والسلام، من قتل نفسه بأي شيء عذب به في نار جهنم خالداً فيها مخلداً أبدا، هكذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن تردى من جبل فذلك الجبل الذي تردى تردى فيه في الدنيا يتردى فيه في نار جهنم خالداً فيها مخلداً أبدا، يفعل ذلك في نار جهنم يخلد أبدا في نار جهنم والعياذ بالله، وهكذا إذا تحسى سما، وهكذا إذا قتل نفسه بحديدة، أو قتل نفسه بغرق، أو بغير ذلك من أنواع القتل أو من أسبابه المتنوعة، ذلك الشيء الذي فعله في الدنيا يكون له في نار جهنم والعياذ بالله، عذاب النار عذاب شديد وهو عذاب الإحراق، فكيف إذا اجتمع للعبد عذاب الاحراق وذلك العذاب الذي عذب به نفسه في الدنيا والعياذ بالله، فهذا وعيد شديد وهذا عذاب أليم ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا رادع لمن عنده خوف من الله سبحانه وتعالى فلا يجرأ على انتهاك هذه الحرمة العظيمة الحرمة الشديدة، يعذب في الذي قتل به نفسه ولا يموت، {ا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)}[فاطر:36].

قال:{وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}[إبراهيم:17].

هو في الدنيا تردى ومات، في نار جهنم يتردى ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، هو في الدنيا تحسى سما فقتل نفسه فمات، لكنه في نار جهنم يتحسى ذلك السم ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، هو في الدنيا طعن نفسه بسكين أو رمى نفسه برصاص أو شنق نفس و مات لكنه في نار جهنم يفعل به ذلك وهو مخلد في نار جهنم أبدا كما ذكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ولا يموت بل يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، فهذا ذنب عظيم وكبيرة من الكبائر الموبقة، فليحذر المسلم غاية الحذر من أن ينتهك هذه الحرمة العظيمة الحرمة المغلظة الشديدة، والسبب في ذلك أو من جملة أسباب ذلك الجهل بشريعة الإسلام، فإن الجاهل يهلك نفسه ويظن أنه من المحسنين، فالجهل داء قتال وداء مهلك ، فكثير من هؤلاء عندهم جهل بالغ بشريعة الله عز وجل، وبدين الله سبحانه وتعالى، يظنون أنهم يستريحون وأنى لهم الراحة، الراحة بطاعة الله عز وجل، والإسقامة على دين الله سبحانه وتعالى، فيموت العبد على الإسلام والإيمان بهذا يستريح، يستقم على دين الله بهذا يستريح في الدنيا والآخرة،{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)}[النحل:97].

قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32)}[فصلت:30،32].

هذه الراحة بالاستقامة على دين الله، والاستقامة على شرع الله يعيش العبد حياة طيبة في الدنيا، ثم ينتقل إلى الحياة الطيبة في الآخرة، أما من كان بعيداً عن الله عز وجل فإنه لا يستريح، لا بقتل نفسه، ولا بغير

ذلك، وإنما ينتقل إلى ما هو أشد وأعظم وكربات الآخرة أشد، وشدائد الآخرة أشد، وآلام الآخرة أشد، في حق من لم يتقي ربه سبحانه وتعالى، فالجهل داء فتاك أوقع كثيرا من الناس في ذلك، وهكذا ضعف اليقين بوعد الله ووعيده يسمع كثير من الناس مثل هذا الوعيد لكن ما عندهم يقين، اليقين إما أنه زائل أو أنه في غاية الضعف، فما عنده يقين بوعيد الله عز وجل، يسمع آيات الوعيد ولا يتيقن ما فيها، قال سبحانه وتعالى:{وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)}[الزمر:47،48].

لم يكونوا على يقين في الدنيا بل كانوا في ريب وشك، لكن إذا انتقلوا إلى الدار الآخرة جاءهم اليقين وبدى لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدى لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فضعف اليقين من أسباب ذلك، من أسباب ذلك قلة الخوف من الله عز وجل، وضعف الخوف من الله سبحانه وتعالى، فإن من خاف الله عز وجل لا ينتهك محارمة، من خاف ربه سبحانه وتعالى لا ينتهك محارمة، فإنما يؤتى الإنسان من ضعف خوفه من ربه سبحانه وتعالى.


ومن أسباب ذلك قلة الصبر على شدائد الدنيا ومحنها وآلامها وكرباتها، والمؤمن لا بد أن يبتلى في الدنيا، الدنيا هي سجن المؤمن وجنة الكافر كما ذكر ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه هي الدنيا لا بد فيها من نكد، لا بد فيها من آلام، لا بد فيها من أوجاع، لابد فيها من مصائب، لابد فيها من كروبات وشدائد يكفر الله عز وجل بها ذنوب عباده المؤمنين، ويرفع درجات من يشاء، هكذا خلق الله سبحانه وتعالى الدنيا لابد أن تصبر على ما فيها من الشدائد والمحن والابتلاء لابد منه،{الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)}[العنكبوت:1،3].

قال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)

 الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}[البقرة:155،157]

فكثير من الناس لا يتحمل الشدائد والمحن، يبتلى ببعض المحن والشدائد في نفسه أو في ولده أو في أهله أو في ماله فلا يصبر على تلك الشدائد، ولا يجد حلاً إلا أن يقتل نفسه وهذا هو الجهل العظيم، قلة الصبر أهلك كثيرا من الناس، من رزقه الله الصبر فقد رزقه خيراً عظيماً، في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ومن يتصبر يصبره الله، وما ما أعطى الله عبدا عطاءا خيرا وأوسع من الصبر، من رزقه الله الصبر فإن قلبه يتسع للشدائد والمحن لا يبالي بذلك ويرجو الأجر والثواب من ربه سبحانه وتعالى، ويعلم أن المصائب النازلة مكفرات لذنوبه فيحمد الله سبحانه وتعالى على السراء والضراء لعلمه أنه إن ابتلي فالبلاء هو خير له، عجباً لأمر المؤمن إن أمر كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، في الصحيحين من حديث في جندب بن عبد الله رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا جرح فلم يصبر فقتل نفسه، فقال الله عز وجل : بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة، هكذا قال ربنا سبحانه وتعالى في هذا العبد الذي بادر بنفسه ولم يصبر على ما ابتلاه الله به من الجراح فبادر بنفسه وأهلك نفسه، فقال الله سبحانه وتعالى له بدرني وفي لفظ بادرني عبدي بنفسه قد حرمت عليه الجنة، فليتق العبد ربه يتق العبد ربه وليصبر على شدائد الدنيا، الدنيا يسيرة ومنقضية والعبد بين ذاك وذاك بين سراء وضراء تتقلب الأمور على الناس لا بد من ذلك، فليوطن الإنسان نفسه على شكر الله على النعماء وعلى الصبر عند نزول الشدائد والضراء.


أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته إنه هو الغفور الرحيم .



الخطبة الثانية:


الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد : جاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا في جهاد في سبيل الله عز وجل مع المشركين، فأبلى رجل منهم بلاء شديداً حتى تعجب منه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وأثنوا عليه بحسن صنيعه فكان لا يدع شاذة ولا فاذة من المشركين إلا وأثخن فيهم بالقتل والجراح، وحصل منه ما حصل من الأمر العظيم حتى تعجب الصحابة لشدة ما أبلاه في تلك المعركة، وأثنوا عليه خيرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع النبي عليه الصلاة والسلام حديثهم وهم معجبون مسرورون يثنون على ذلك الرجل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام وفاجأهم بالقول فقال : هو في النار. هو في النار فتعجب الصحابة رضي الله عنه أجمعين عن قول رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الرجل الذي أبلى بلاء حسنا في الجهاد في سبيل الله كيف يقول هو النار، فذهب أحد الصحابة فقال: لأنظرن إلى أمره وحاله فتتبعه فإذا به قد جرح بجراحات بالغة فلم يصبر فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه ثم اتكى على سيفه فقتل نفسه، فذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.

فالأعمال بالخواتيم، هذا الرجل كان في النار بسبب أنه قتل نفسه، وكان مجاهداً في سبيل الله عز وجل، لا تستهن يا عبد الله بهذا الذنب العظيم، هذا ذنب مهلك، إن نزلت بك مصيبة فاصبر وتصبر وأجرك على الله عز وجل، ويأتي الفرج بعد الشدة هذه سنة من سنن الله عز وجل، الشدائد لا تبقى والمسرات لا تبقى، العبد بين سراء وضراء ما دام حيا في الحياة الدنيا، هكذا هي الحياة الدنيا يتنقل الإنسان بين فرح وحزن، وبين شدة ورخاء، وبين نعمة وضراء، يتنقل العبد في الحياة الدنيا بين هذه الأمور، لا النعمة تستمر ولا البلاء يستمر حتى يأتي الموت، فوطن نفسك على الصبر على الشدائد والمحن، ولا تعالج هذا الأمر الذي تجد في نفسك من الشدة ومن الضيق والكرب بما هو أشد عليك كربا وضيقا وعذابا وهما وغما بأن تقتل نفسك فتنتقل إلى العذاب الأليم، وإلى عيشة شديدة شديدة مؤلمة والعياذ بالله، فليتق العبد ربه وليتب إلى ربي سبحانه وتعالى، وليستقم على شرع الله، وليبتعد عن الذنوب والمعاصي فإنها مظلمة للقلوب، وكثير من هؤلاء في بعد عن الله عز وجل، وفي بعد عن شريعة الإسلام، في بعد عن الطاعات، في بعد عن الصلوات، في بعد عن ذكر الله عز وجل، تضيق بهم أنفسهم بسبب بعدهم عن ربهم سبحانه وتعالى،{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)}[طه:124].

اقبل على الله عز وجل ليكشف الله ما في قلبك من الكربة ومن الشدة تطمئن نفسك ويستريح بالك وتعيش حياة طيبة، وتنتقل بمشيئة الله إلى حياة طيبة .


أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا والمسلمين كل سوء ومكروه، وأن يغفر لنا ذنوبنا وأن يرحمنا برحمته إنه هو الغفور الرحيم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها وأولها وآخرها وعلانيتها وسرها، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم يسر على المعسرين وقضي الدين عن المدينين، وأكشف كرب المكروبين، ويسر على المعسرين واشف مرضى المسلمين، وارحم موتاهم إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم عافنا في الدنيا والآخرة، واعفو عنا إنك أنت الغفور الرحيم، والحمد لله رب العالمين.


فرغها أبو عبد الله زياد المليكي حفظه الله


جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للشيخ أبي بكر الحمادي